عبد الله بن أحمد النسفي

51

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )

[ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 14 إلى 18 ] وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيًّا ( 14 ) وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا ( 15 ) وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا ( 16 ) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا ( 17 ) قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا ( 18 ) من عندنا وَزَكاةً أي طهارة وصلاحا فلم يعمل « 1 » بذنب وَكانَ تَقِيًّا مسلما مطيعا . 14 - وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ وبارا بهما لا يعصيهما وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً متكبّرا عَصِيًّا عاصيا لربه . 15 - وَسَلامٌ عَلَيْهِ أمان من اللّه له يَوْمَ وُلِدَ من أن يناله الشيطان وَيَوْمَ يَمُوتُ من فتاني القبر وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا من الفزع الأكبر ، قال ابن عيينة : إنها أوحش المواطن . 16 - وَاذْكُرْ يا محمد فِي الْكِتابِ القرآن مَرْيَمَ أي اقرأ عليهم في القرآن قصة مريم ليقفوا عليها ويعلموا ما جرى عليها إِذِ بدل من مريم بدل اشتمال إذ الأحيان مشتملة على ما فيها ، وفيه أنّ المقصود بذكر مريم ذكر وقتها هذا لوقوع هذه القصة العجيبة فيه انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها أي اعتزلت مَكاناً ظرف شَرْقِيًّا أي تخلت للعبادة في مكان مما يلي شرقي بيت المقدس ، أو من دارها معتزلة عن الناس ، وقيل قعدت في مشرقة « 2 » للاغتسال من الحيض . 17 - فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً جعلت بينها وبين أهلها حجابا يسترها لتغتسل وراءه فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا جبريل عليه السّلام ، والإضافة للتشريف ، وإنما سمّي روحا لأنّ الدين يحيا به وبوحيه فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً أي فتمثّل لها جبريل في صورة آدمي شاب أمرد وضيء الوجه جعد الشعر سَوِيًّا مستوي الخلق ، وإنما مثّل لها في صورة الإنسان لتستأنس بكلامه ولا تنفر عنه ، ولو بدا لها في الصورة الملكية « 3 » لنفرت ولم تقدر على استماع كلامه . 18 - قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا أي إن كان يرجى منك أن

--> ( 1 ) في ( ظ ) و ( ز ) يعمد . ( 2 ) المشرقة : موضع القعود في الشمس بفتح الراء وضمها وكسرها ( القاموس 3 / 249 ) . ( 3 ) في ( ظ ) و ( ز ) في صورة الملائكة .